قصة مقْتَلْ الأميرين :
سند بن عمر الحليس وصالح بن عمير الحصيني
ـ رحمهما الله تعالى ـ رقم( 1 ) .
الأحبة في موقع شبابة :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من الضرورة بمكان أن يعلم الجميع أني من الرجال الذين يبتعدون كثيرا عن ذكر الأحداث والأقوال والأحاديث التي تتعلق بالحروب والغارات والغزوات التي حصلت في الجزيرة العربية سواء في منطقة نجد أو في منطقة الحجاز ، ولا أعدها أي بطولة تذكر ، بل أنها بالنسبة لي لا تمثل أي شيء !!
وذلك لسبب بسيط وهو :
أن القاتل والمقتول جميعهم مسلمون وهذه الطامة الكبرى !!
إن ابتعادي ذلك ليس من قلة الوثائق ، أو ضعف في المعلومات ، بل يكفي أن يعلم الجميع بأن الحصنة كان يَوضع عندهم أبناء النفعة عامة و الطفحة خاصة وثائقهم وحججهم ، إذ هم بيت أمانة ووداعة ، والدليل امتلاكهم لأكثر تلك الوثائق بل أهمهما والتي لازالت بحوزتهم حتى اليوم .
إن حصول تلك المعارك والحروب في الجزيرة العربية هو بالمقام الأول ناتج عن الجهل المتفتق في جسد الرجل العربي .
ذلك الجهل أتى بعد سقوط دولة الخلافة الإسلامية ، مما دعا الرجل العربي أن يقتل أخاه المسلم ظلما وطغياناً ، ليس ذاك وحسب ، إلاّ أنه يفتخر ويفاخر بهذا العمل الغير صالح !!
إن الرجل العربي بعمله ذاك ليعيدنا إلى زمن الجاهلية الأولى قبل الإسلام !!
ما حصل في الجزيرة العربية من معارك وأحداث ، رآها البعض أنها مفخرة ، وبها يفاخر ويمتاز عن غيره من باقي القبائل حينما تناقشه أو تحاوره .. بينما أراها :
قمة التخلف والجهل .
وبئسَ .. حال أبناء الجزيرة أن يحصل منهم قتل بعضهم بعضا ..
ليس ثمة هنالك مفاخر أراها إلاّ ما فيه فتوحات لثغور المسلمين ، أو لرفعة الدين ، غير ذلك ليس هنالك مفاخرة البتة !
هكذا .. أخيكم ، يرى الأمر من منطلق مخافة الله عز وجل ولا سوى ذلك أبداً .
حتى الأمارة القبلية التي يفاخر بها البعض ويراها تكون بقوة السيف ، بينما أراها من مخافة الله ومراعاة حق الله من الرجل المتقدم على قومه الراعي لشئونهم ، الذي إن هو فعل كل ذلك أصبح (( الأمير الحقيقي )) لقومه .
وليس لمن سرق أو نهب أو تعدّى وتجاوز على الآخرين ، و هزم غيره بقوة المصارعة أو بقوة الغارة والسلاح يكون هو الأمير ، هكذا نظرتي للأمر وغيري ربما ينظر له بمنظار أخر ، ولكلِ منّا نظرته ، والمسلم العاقل يميز بين هذا وذاك .
ليعلم الجميع .. أني أمتلك الكثير من المعلومات والأحداث والقصص والروايات ، التي تعضدها إما وثائق صلح وتراض أتت على أثرها ، أو قصائد قيلت في مناسبتها ، ومع هذا كله لم ولن أنشر أو أقول إلاّ ما يفيد في النسب ، أو يسجل في الأحداث كتاريخ يستدل منه على أثر معين أو رمز بيّن أو حدث حصل في السابق لأخذ العبرة والعظة منه .
سوف أبعد في كتاباتي كل البعد عن ذكر كل تلك المعارك والأحداث والفترة الغابرة التي اعتلت بها الوحشية والقسوة ، حتى بلغت ذروتها حينما كان الرجل لا يطمئن على نفسه ، إلاّ حينما يكون رجل شر ، وسفير قتل .
حتى في مقابلاتي مع بعضٍ من شيوخ الطفحة الذين قابلتهم وأخذت منهم بعض المعلومات أو الروايات ، أو أولئك الذين سوف أقابلهم ـ إن شاء الله ـ كنت أول ما أقول لهم :
أني لن أكتب أو أقول بهذه المعارك مهما كان الأمر ، وسوف أستخلص من رواياتكم وأقوالكم ما يفيد في النسب أو كتابة تاريخ لا غير .
ضرورة كتابة القصة كما هي حقيقتها :
أخوتي الأحبة .. لم أشأ أن أكتب هذه القصة لولا أني وجدت كلاما لبعض الرجال ببعض المواقع يتحدث به ـ وللأسف الشديد ـ كانت الرواية التي قيلت لم تكن مثلما حصلت فعلا .. بل أن بروايتها بذلك الشكل تشير إلى تغير في مضمون الأحداث الحقيقية لها هذا من جهة .
من جهة أخرى الخوف من ترديد القصة بتلك الكيفية ربما يجعل ترديدها في المجالس ونقلها من هذا عن ذاك أمر مسلم به ، أيضاً ربما من خلال عالم الانترنت الذي ينقل منه الكثير ، صحيح الرواية ومعتلها ، وربما لو تُركتْ القصة كما ذكرت بتلك المواقع يظن الكثير أنها هي الحقيقة ، ولأصبح من كثرة تداولها وتناقلها بين الناس عبر هذه الشبكة العنكبوتية كما ذُكرت هناك يصبح أمر واقعاً ، ولأصبحت بعد فترة من الزمن بعدما ولفها الناس روايةً متكررة ، وقبلها قصةً متداولةً لأصبحت وكأنها هي القصة الحقيقية كما رويت من أولئك الناس ، وبذلك يكون صمتنا تجاه كل ذلك خطأً كبير ، يوم أن تركناها دون الرد عليها وإجلاء الحقيقة كما حصلت في واقعها .
صدقوني .. لم أشأ أن أعقب إلاّ حينما ذكرت قبيلتي " الحصنة " بكل وضوح ، وأنا أحد أبناؤها ، وأوتي على سيرتها عدة مرات ، وبعدة ردود بأحد المشاركات ببعض المواقع والتي جلبت لكم صورة مقتبسة من تلك الأقوال .
إن ترديدها عدة مرات يجعل الرجل مثلي أن يفهم المقصد بشيء من الريبة ، الأمر الذي اضطرني على الدخول في ذكر الرواية كما حصلت ، لأن الصمت تجاه ذلك التكرار يعطي صبغة أن ما قيل حقيقة . بينما الواقع يختلف عما ذكر .
وها نحن ننقل كلام ورواية أحد الأعضاء بأحد المواقع يذكر فيها القصة ويكررها ، وبعد نقل روايته سوف نسرد القصة الحقيقة من وجهة نظرنا التي نرى أنها الحقيقية ـ وبأمر الله ـ سوف نكون منصفين لجميع الأطراف ونروي ما حصل بكثير من الموضوعية والأمانة .
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عون
ولكن اخي الكريم يبدوا انك تجهل الكثير بخصوص الشيخ سند الحليس فقولك انه مجرد شاعر فيه تجني و ظلم كبير لعلم من اعلام عتيبة وشيخ من شيوخها اولا الشيخ سند الحليس من اكبر شيوخ الطفحة في عصره وكان عنده سجن من قبل الاشراف حكام الحجاز وبسبب سجنة لمجموعة من الحصنة من عيال مزروع من الطفحة قاموا الحصنة بقتلة وكادت تكون هناك حرب بين عيال مزروع وعيال علي بسبب قتل الشيخ سند الحليس وعندما قاموا الحلسة بقتل احد كبار الحصنة غضبوا الجعدة وخصوصا الشيخ نافع بن رشود شيخ المضافرة من الجعدة لأن المقتول لم يكن كفء للشيخ سند الحليس فقام بتحريضهم على قتل اكبر شيوخ الحصنة لأنه ند للشيخ سند وفعلا قاموا الحلسة بقتلة ولها قصة مشهورة والشيخ سند من كبار شيوخ الطفحة وخصوصا عيال علي .
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عون
اما سند الحليس فالناس تعرفه وانشد شيوخ الحصنة من النفعة عنه ويعلمونك من هو سند الحليس
لأنه كان يملك سجن وبعد احد الحوادث سجن عدد كبير يقال انهم 14 رجال من قبيلة الحصنة الكريمه بأمر من الشريف فقاموا الحصنة بالتربص به وقتله عند عودته من عند الشريف والقصة مشهورة واقتضوا الحلسة بقتل شيخ من الحصنة لكن شيخ الجعدة في وقته نافع بن رشود المظفري غضب ولام ولد سند الحليس لأن المقتول من الحصنة لا يكافئ الشيخ سند الحليس عندها اعادوا الكره الحلسة فقام سبعة منهم بقتل اكبر شيوخ الحصنة وهو خال ابن سند الحليس ولحقوهم الحصنة وتقاتلوا معهم ومات سبعة من الحصنة والسبعة الحلسة والقصة مشهورة انشد عنها اذا ما تعرفها
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عون
قبيلة الحصنة العريقة اهل راسيه وهم يملكون مئات الوثائق ومنها امتلاكهم للنسخة الأصلية من وثيقة الطفحة والنفعة المسماه حجة الديرة والمؤرخة بعام 1005هـ والكاتب القدير تركي القداح النفيعي اخذ صورة الوثيقة منهم يعني انت تعرف تاريخ الحصنه اكثر منهم فعلا شر البلية ما يضحك .
هذه الرديه هي ممازحة بين الشيخ سند الحليس وزوجتة الحبسية رحمهم الله جميعا والبادي بالخطا هو الشيخ سند الحليس عندما مدح بنات الحلسة على حساب بنات الحبوس من باب المزاح ويبي يشوف رد زوجته: فقال الها:
جنك بنات احليس ماهن ....حمرٍ نواظرهم كما القنيانيه
ماهيب حبسيه تهوش للغنم تلقى اللبن في ثوبها طشانيه
فقالت زوجته الحبسية:
جدي عريبٍ كل ما قام احتزم ..... يوم ان جدك يقرع القدحانيه
هي تقول جدي وجدك ما قالت ابوك فلا تزور في القصيد وهي تقصد جد قديم وليس كما تظن انت وكلامها ماله علاقة في امارة وشيخة سند الحليس المعروفة
والعاقل ما يستشهد بمثل هذي الأبيات خصوصا انها كلام حرمه
فسند الحليس شيخ ربعة في عصرة ومن كبار شيوخ الطفحة وهو المتحدث الرسمي بأسم الطفحة عند الشريف بسبب علاقتة مع الشريف واقرا كم حليس يمثل الطفحة في دعاويهم مع الثبتة والنفعة على الأراضي وقنالك ونعيد ونكرر حتى ضعاف العقول يفهمون سند كان مسؤل عن سجن 14 رجال من قبيلة الحصنة العريقة بطلب من الشريف وقاموا الحصنة بالتربص به عند عودته من عند الشريف وقتلوه فاستدوا الحلسة بقتل شخص من كبار الحصنة اسمه ابو عيون الحصيني
ويوم ان عواض الحليس( وهو بناخي شيخ الحصنة صالح بن عمير) زار شيخ شمل الجعدة في عصره الشيخ نافع ابن رشود المظفري قبل تصير الأمارة في العنابره وما لقا ابن رشود في بيته قالت زوجة ابن رشود اقلط لين يجي الشيخ وفعلا جلس عواض على الشداد ويوم رجع ابن رشود وشاف عواض الحليس جالس على الشداد قاله قم عن الشداد منت كفوا تجلس علاه واجلس عند الرماده قال عواض الحليس ليش يابن رشود قاله لأنكم ما استديتوا في الشيخ سند الحليس قال الا ذبحنا فيه ابو عيون الحصيني
قال الشيخ ابن رشود الشيخ سند شيخكم ولا يسد فيه الا شيخ مثله قاله عواض تبيني اذبح خالي يابن رشود قاله انكان ما ذبحتوا فيه شيخ مثله والا ما كنكم سويتوا شي والسواد غاشن وجيهكم عندها ذبحوا الحلسة الشيخ المشهور صالح بن عمير رحمه الله وهو من اكبر شيوخ الطفحة واطيبهم سداد في الشيخ سند الحليس دلاله على قدر الشيخ سند الحليس عند عيال علي وهو يكافي شيخ الحصنة الذي يعد من كبار عيال مزروع
ويكون في معلومك ان الجعدة بحكم انهم هم والحلسه والحبوس من عيال علي كادوا يقتضون من الحصنة بسبب قتل سند الحليس لولا تدخل الوذانين وبقية عيال مزروع وهم اللي طلبوا من الجعدة عدم التدخل حتى لا تكون فتنة بين عيال علي وعيال مزروع وعندما قتلوا الحلسة الشيخ صالح بن عمير انتهت المشكلة فرحمهم الله جميعا
كل ذلك قيل ، لا سيما وأن العضو الراوي للقصة قال لعضو آخر هناك و بالنص :
اقتباس:
أنشد شيوخ الحصنة من النفعة عنه ويعلمونك من هو سند الحليس
ذلك القول يُحتمل ويؤخذ على مفهومين :
الأول /
أن نفهمه بحسن النية حيال أن المقصد :
هو إفهام الطرف المقابل : من يكون الأمير / سند بن عمر الحليس ؟ وما هو مقامه ؟ بحكم أن له أحداثاً حصلت بينه وبين بعض الأفراد من الحصنة .
والثاني /
قد تكون إشارة ( ضمنية ماكرة ) بقوة فعل الأمير / سند بن عمر الحليس ـ رحمه الله ـ حينما قام بسجن أفراداً من الحصنة ـ وقد يُعدُ هذا أناس كثر أنها ـ مفخرة ـ من مفاخر الأمير / سند بن عمر الحليس ـ رحمه الله ـ التي بالتلقائية هي سوف تكون محل ـ ضعف وهوان ـ في قبيلة الحصنة .
لا سيما وأن العضو الذي أورد القصة لكن لم يوردها بكامل تفصيلاته ، ونحن لا نشكك في ذمته ـ معاذ الله يكون هذا ديدننا ـ لكن ربما لم يسعفه النقل من مصادر جيدة وملمة بالقصة إلماما كافياً لكي تساعده على سردها سوى أن ما قاله هو ما يتعلق من مدحِ لجانبٍ دون جانب ، وهذا دليل قوي على أن ليس كل المصادر التي تروي الأحداث ترويها على حقيقتها سوى ما يتفق مع رغباتها أو ما وصلها من طرف دون الطرف الأخر ، لاسيما لم تذكر أسباب القصة التي من أجلها حدثت ؟ وأصبحت فيما بعد قصة تروى بين الرجال ، أو تعامل الأمير / سند بن عمر الحليس مع أفراد الحصنة ؟ .
بل حتى العدد الذي ذُكر أنه تم سجنهم من أفراد الحصنة كان فيه من المبالغة الشيء الكثير ، زد على ذلك قول الراوي أن سجنهم تم بأمر الشريف ، وبذلك يكون قد وصلت للقارئ الكريم إيحاءات خفية أن ثمة هنالك قوة للأمير سند ، وسلامة موقفه ، وأن العلة في أفراد الحصنة الذين كانوا في الموقف المعاكس .. بينما الواقع مغاير لذلك تماما ، ومن أجله قدمنا على كتابة هذه القصة ، لكي يتبين للقارئ الكريم حقيقة الأمر ، ومن ثم له الحكم .
أنا لا أجزم أنه المقصد هو المفهوم الثاني ـ جزما قاطعا ـ لكن أطرحه كمفهوم ، ربما يفهمه البعض بهذا الشكل ، أو لو كان فعلا هو القصد ـ بالرغم أتمنى أن لا يكون كذلك ـ فنكون بذلك قد رددنا عليه على الأقل من الجانب الآخر لما يراه الطرف المعاكس لما روي عنه ذلك الطرف !! .
المهم يكون هو أولاً يعلم أننا فهمنا ووعينا .. وثانياً يكون المتلقي الكريم أننا على دراية بكل ما يقال ويدار من الأطراف الأخرى ، لا سيم وأن كل ما أُورد من هذه القصة هو من جانب أبناء بركوت بن علي بن طويفح ، سواء أكان نقله للقصة من الحلسة أنفسهم ، أو من أبناء عمومتهم الجعدة ، ولم يكن في إيراده للقصة من الطرف المقابل ـ أي الحصنة ـ أو أين من أبناء عمومتهم أبناء مزروع بن علي بن طويفح ، لكي يكون هنالك العذر من قبلنا .
على كل حال سوف نورد القصة نحن ، وغيرنا سبقنا وأوردها من الطرف المقابل ، و بذلك يكون إيراد القصة من كلا الطرفين ، وتترك للمتلقي الكريم الحكم بأخذ أين من الروايتان ، أو يعدل أو يبدل في إحداهما أو يأخذها كيفما يشاء .
أين يكن مقصد الراوي ذاك ؟ فهاهو أحد أفراد الحصنة سوف يروي قصة الأحداث بكل حيادية وموضوعية ـ إن شاء الله ـ و والله أنني في حالة كما تقول العرب :
ـ مُكرها أخاك لا بطل ـ
و مثلما سبق و أسلفت أني من الذين يكرهون تداول مثل هذه الأمور بين القبائل بعضها ببعض ، عوضا على أن يكون تداول ما حصل بين قبائل عتيبة بينها البين ، لكني مضطراً للتخلي عن قناعتي السابقة مجبورا ، لكي أبيّن الحقيقة وأوردها كما هي ـ أيضاً لكي يكون هنالك حضور لوجهة النظر الحصيني ـ وكنتُ أتمنى لو أن أحداً من أبناء الحصنة أوردها نيابة عني وخدمني وأعفاني من الخوض في أمورٍ كهذه ، التي تبعد ولا تقرب ، وتنفر ولا ترغب ، لكني مضطرا اضطرارا قصريا ، وعنوة رغم أنفي وبعيد عن قناعاتي ، وغيري أوردها من وجهة النظر الأخرى ، ونترك للقارئ الكريم ، والمتلقي الفطن أن يأخذ الروايتين ومن ثم يفحصهما ، ويدقق فيهما ، وله الحكم على صحة إحداهما أو أن يُعدل ويبدل في أحداهما أو كليهما حسب ما يراه أنه حق ، هذا شأن المتلقي وله الحكم في الأخير .
مدخل هام ـ مقدمة ـ :
أحبتي أعضاء هذا المنتدى الكرام ، وأيضا القارئ الكريم ..
قبل أن أورد قصة تلك الأحداث أحب أن أبين ما هي علاقة قبيلة الحصنة وقبيلة الحلسة ؟ وما يربط بعضهما ببعض ؟
لكي يكون القارئ الكريم على إطلاع على الصورة الحقيقية أبان تلك الحقبة من الزمن .
الحصنة والحلسة يسكنون في منطقتين مع بعضهما البعض المنطقة الأولى :
في قرية وادي " الصنيع " وهذه القرية الأم لكلا القبيلتين ، وإن كانت للحصنة أكثر عمقا ولا زالت هي عاصمتهم ومقرهم الأساسي ، ولهم فيها كامل الوجود ، بينما الحلسة الآن رحلوا عنها ولا يوجد لهم بها اليوم سوى مزرعة واحدة وسور مبني لدارٍ قديمة ، حتى تلك المزرعة اليوم عليها حصيني ، لكن ريعها يعود للحليس مالكها ، وهذه القرية قد ورد ذكرها في مواضع كثيرة ليس المجال الحديث عنها وبسط كل ما قيل عنها ـ لكن يكفي من الشهرة الرمز لها ـ فقد تم ذكرها في حجة الديرة المشهورة والمؤرخة في عام 1005 هـ من ضمن ديار النفعة .
إنه من الأهمية بمكان أن أقول :
يكفي لإبراز أهمية هذه القرية أن حضر منها في تلك الحجة أميرين كُتب اسميهما من ضمن من حضر من أمراء النفعة وكبراؤهم .
حيث ورد بتلك الحجة اسم الأمير / محسن بن عويمر الحصيني وهو أمير الحصنة في زمانه ، والأمير الآخر هو الأمير / سلمان الحليس أمير الحلسة في وقته ، وجميعهما من قرية الصنيع ـ وبلهجة عتيبة تنطق هذه القرية بـ ( الصِِّناع ) ـ بكسر حرف الصاد المشددة ـ .
والمنطقة الثانية :
في وادي " صلا " وأيضا تم ذكر هذا الوادي وقراه في حجة الديرة السابق الإشارة لها ، وكانوا الحصنة لهم في هذا الوادي قرية " جوش " بينما الحلسة بجوارهما بنفس الوادي .
كانت العلاقة بين القبيلتين مضرباً للمثل بين القبائل في الأخوة والحميّة والمصاهرة ، وفي كل أمور الرجل المسلم ، كيف : لا ؟
وأنت تجد في البيت الحليسي مثلا ربة المنزل تكون فيه حصينية ، وكذا الحال في الحصنة فتجد عندهم سيدة الدار حليسية .
تلك العلاقة المميزة جعلت الحصنة والحلسة ينصهرون مع بعضهم البعض ، حتى لا تكاد تميز بين الحصيني والحليسي سواء أكان في الشكل ـ المظهر ـ العام للرجل ، أو حتى في الأخلاق والفعل والتصرفات التي تصدر منهما ، والتي تعتبر جوهر الرجل ، وإن كان كثرة العدد معلوم أنه للحصنة ، لكن حتى المزارع والبساتين فيما بينهم مختلطة اختلاطاً يصعبُ معه أن تقول : هذه المزرعة للحصنة ، أو تلك للحلسة ، فتجد هنا مزرعة لحليسي ومجاورها مزرعة لحصيني ، وربما في المزرعة الواحدة تجدهم مشتركين وجميعهم يسقي زرعه من منبع أو بئر واحدة ، بل لو ذهبت لأبعد من ذلك ، حينما يأتي الدهر على ناحية الصِّناع مثلا ، وتجد الزُّراع قد رحلوا لمنطقة مجاورة لهم حيث الغيث ، مثل منطقة " بسل " التي كانت غالبيتها للعصمة ، فتجد الحصنة والحلسة قد رحلوا معاً لمنطقة " بسل " مترادفين سواء أكانوا فرادى أو زرافات ، من أجل كثرة الأمطار هنالك ، التي تفي بغرض المزارع ، تجد الحصيني ومعه الحليس ، أو الحليس ومعه الحصيني قد زرعوا المزارع سويا ، بل أنهم يقيموا منازلهم بجوار بعضهم البعض لسببين :
أولهما :
أنهما جميعاً من الطفحة .
وثانيهما :
أنهما مختلطين بعلاقة مصاهرة ومجاورة في قريتهم الأم ـ الصِّناع ـ جعلت كل منهما يركن للأخر في ديار الغير " كبسل " أو غيرها .
بل حتى حين الضيافة فتجد الرجل يضيف نيابة عن الآخر في ضيفه إن هو كان غائباً عن الدار ، ولا ينتظر حين قدومه أو أن يقوم أحد من أبناء عمومته من ذات القبيلة بدور الضيافة ، بل أن الحاضر منهما يكفي عن الغائب . كل ذلك جعل من وجودهما مع بعضهما البعض قوة ضاربة في أي منطقة يتواجدون فيها ، ولهذين السببين مبرر فيه لارتباطهما في النسب مع بعضهما البعض .
إن وجود الحلسة في الصِّناع ، وبجوارهم قرابتهم الأدنون من أبناء عمومتهم القريب ( أبناء علي ) مثل قبيلة الحبوس وقبيلة الجعدة وقبيلة الجميعات وقبيلة العبابيد ليعطيهم شيء من التميز .
لكن يجب أن نتنبه إلى أن كلٌ من الجعدة وبعضا من الجميعات هم بدو رُحل ، لا يكاد يمكثون كثيرا في المنطقة تبعا لظروفهم البدوية ، حتى وإن عادوا لها فهم في فترات متقطعة ، لكن ليسوا هم على استمرار في التواجد ، باستثناء خامس الزواير من الجعدة ، وبعضا من الجميعات ، إذ أن الجميعات بالأصل هم قليلو العدد مقارنة بالحصنة ، ومع هذا فيهم من يرحل ويعيش حياة البادية ، أيضا قلة أعداد قبيلتي الحبوس والعبابيد مقارنة مع الحصنة .
كذلك فإن وجود الحصنة في الصِّناع بعيداً بعض الشيء عن أبناء عمومتهم القريب من ( أبناء مزروع ) سواء من كان منهم في أعالي سراة بني سعد مثل السياييل ، أو من كان منهم في بسائط الطائف مثل الوذانين والسوطة والحليفات والحشابرة ، لكن كثرة الحصنة مقارنة بالحلسة والحبوس والعبابيد والجميعات ـ فربما الأربعة القبائل الأخيرة مجتمعة لا تعادل عدد أفراد الحصنة ـ الكثرة تلك سبب أول .
والسبب الآخر : وجود أمارة مستقرة عند الحصنة منذ القدم في بيت واحد ، كله شجاعة وشهرة وهو بيت ( ذوي عمير ) وعلاقة هذا البيت القوية والمتميزة مع الأشراف حكام الحجاز ، هذين السببين أعطى للحصنة تكافئ و موازنة في الوجود مع الحلسة في منطقتي الصنِّاع وصلاّ ، بل أن الحصنة لهم الغلبة على وادي الصناع وقرية جوش بوادي صلا لكثرتهم الذي أوجد بالتبعية كثرة للمزارع والبيوت ، حتى أنه حينما يقال الصِّناع يعرف أنه للحصنة ولا يعرف لغيرهم ، بالرغم من أن هنالك وجود للحلسة فيه ، لكن الشهرة بالكثرة وببيت ( ذوي عمير ) أصبغ على الصّناع الوجودي الحصيني كثيرا .
والسبب الثالث :
فإن ثقة النفعة عامة والطفحة خاصة ، في إيداع الودائع من حجج ووثائق وغيرها عند الحصنة لأنهم أصحاب راسية ـ حيث هم بيت لزمة كما يقال ـ وكذا معرفتهم الجيدة بالتعامل القوي مع أحوال المنطقة ، نظرا لقربهم سواء من قبائل الثبتة أو حضورهم بقوة في كل شأن يتعلق بالنفعة أو الطفحة ، وأنهم محل حفظ للأمانة وموضع ديانة في التعامل مع الجميع ، جعل لهم ثقل ليس بالقليل ، ولاستقرار أمارتهم في بيتٍ واحد ممثلاُ في ( ذوي عمير ) كما قلنا جعل الشريف يسدي بمهمة مشيخة ثلاثة قبائل من الطفحة وهي :
الحلسة والجميعات والحصنة .
إذ أسدى مشيختها لأمير الحصنة / صالح بن عمير الحصيني ـ رحمه الله تعالى ـ وهذا مؤشر قوي يعطي ما كان عليه القوم في تلك الحقبة من الزمن .
لم يعكر صفو العلاقة بين الحصنة والحلسة أي شيء ، حتى وأن حصل هنالك بعضاً من المناوشات أو المنازعات الفردية ، لكن ما تلبث وقد أُخمدت ، وقُطع دابر المشكل من أصله ، لا سيما وأن هنالك ( بيت ذوي عمير ) الذي يحتوي كل تلك الأحداث بعقل وحكمة وإنصاف .
حتى أني وجدت أحد أمراء الحصنة من هذا البيت قد حكم على أحد الحصنة بحكم لصالح أحد الحلسة ، ربما لو أطلع عليه أحداً من الوهلة الأولى لقال :
أن فيه من الجور الشيء الكثير على الحصنة ، لكن لو أمعن النظر ودقق في الأمور كلها ، لعلم أن ذلك الحكم فيه من العقل والرزانة الشيء الكثير ، وأن فيه بُعد نظر كبير .
بل وجدت أن أحد الحصنة قُتلت أبنته ببندق أحد الحلسة وضجر القوم من جراء ذلك ، وحاول الحلسة في البدء الإنكار ، لكن فيما بعد اعترفوا بأن موت الفتاة كان من رمي بندق أحدهم ، وجاءوا بأبنائهم الصغار في منزل والد البنت الحصيني وقالوا بالنص :
هؤلاء العيال أبناء ذوي .... الحليس وأمهاتهم بنات الحصنة وحنا داخلين على الله ثم علاكم ، وقد اعترفنا بجرم ابننا والآن نطلب الله ثم نطلبك يا أبو البنت ، وأن ولدنا ما يقصد قتلها لكنه أخطأ في الرمي بغشامته لكن الرمية وقعّت في البنت ، وذلحين حنا عند الله ثم عندكم يا فلان ـ يقصدون أمير الحصنة ـ أنت وربعك الحصنة ، وهذولي ( 6 ) من الحلسة يحلون كلامهم باليمين الجزمية اللي تقطع النسل والذرية أنّا فتشنا ولدنا وحسسناه وأنه ما كان يقصد ذبحة البنت ولا درى عنها إلاّ بعد أن صاح الصائح وتبين أن الرمية وقعت في البنت ، وهذولي ( 6 ) من الحلسة كفلا يكفلون الجاني وربعه أنهم يسوقون الدية ، وأن الحلسة يعطون الأسية للحصنة ، أنه لو حصل بكرة النهار في الحلسة من الحصنة مثل ما حصل من الحلسة عند الحصنة ليرضون بهذا الحكم ولا يعقبون ولا ينقبون ، لا بكثر ولا بقليل ، ولزموا كل الحلسة الموجودين في المجلس وهم ( 15 ) رجاّل وجيهم بوجه الله ، وجهن ماروث يورّثه الحي للميت ، دام الرب في الأرض يعبد ، و الغراب في السما أسود ... الخ
وبعدها أوردوا أية الصلح ، و تسلاموا الريجيل وقال أبو البنت من عفا وأصلح فأجره على الله وأنا قد سامحتكم بعد حليتوا كلامكم باليمين ووثقتوا علمكم بالوجيه ، وبالنسبة للدية فوالله ما قول فيها شيء ، ومن حب يتصدق على أم البنت هذي هي عندكم وهي من بناتكم يا حلسة حتى لو أنها تحت ثيابي لكن هذي هي عندكم هرجوها ، وألاّ أنا وربعي ما نقول فيها شي ، و الله يعوضني ، ويغفر للميت ويبيحه ويسامح الحي ... الخ
هذا فقط نموذج من الواقع الحقيقي بين الطرفين ، من أجل معرفة مدى العلاقة القوية التي تربط بين القبيلتين ومدى العمق ، والفكر الحكيم لمن كان على سدة الأمارة في الحصنة ، بأن يكون معقل هدوء ورزانة في الأمور الصعاب ، وأنهم جميعاً باستطاعتهم حل مشاكلهم فيما بينهم دون تدخل أحد من خارجهم .
بقيت العلاقة القوية المتماسكة بين الطرفين إلى حين قدوم الأمير / سند بن عمر الحليس الذي بحق لو تكلمنا عن هذا الرجل فسوف يطول بنا المقام لكن نقول :
لم يعرف عن والد الأمير سند بن عمر الحليس أي أمارة تذكر ، أو اسم معروف ، سواء في الشأن الحليسي خاصة أو حتى في خارجه ، لكن نستطيع القول :
أن الرجل ـ أي سند ذاته ـ كرزمة هو رجل شيخ بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، فالرجل بنى مجده من فعل يده لوحده ، حتى لمع أسمه ، وذاع صيته ، لا سيما وقد قرب من الشريف ـ أقصد شريف الطائف ـ مقربة عظيمة ، ووصل في الخدمة للأشراف إلى أن بلغ أن يكون مسئولا عن السجن لدى الشريف في الطائف ، وهو بما يعادل اليوم أن يكون قائداً عاما لمصلحة السجون في الطائف كما يقال عنها اليوم ، لذا الرجل كانت له علاقات قوية جداً ، وعلى جميع الأصعدة لا سيما بحاضرة الطائف ، ولو نظرنا لإيجابيات الرجل لوجدنا أنه يتمتع بالكثير من الإيجابيات التي جعلته يتبؤا كل ذلك المقام فهو :
رجل شجاع وفارس ، ومتحدث لبق بل هو رجل مفوه ، له بعد نظر ، وله طموح كبير جداً ، جداً ، جداً ، حاذق وماهر في كيف تبنى العلاقات بين الرجال المسئولين ؟ وكيف تدار المصالح بين كل القوى المؤثرة المختلفة ؟
كثير المال ، له من الجاه والسلطة ما جعلت أمراء الطفحة جميعاً يؤكلون له الحديث نيابة عنهم مجتمعين ، بالرغم أن عدد أفراد الحلسة لا يوازي ربما خامس من بعض خوامس قبائل الطفحة ، لكن معرفة الرجل بالرجال في الطائف ، والسلطة التي هو فيها ، وعدة أمور أخرى ، جعلت الرجل يصل إلى مكانة مرموقة داخل الوسط الطفيحي .
و الرجل استطاع بفعله أن يحوز على كل تلك المكانة سواء في قبائل الطفحة خاصة ، أوبين أبناء القبائل عامة ، لا سيما في مدينة الطائف ، التي هي مركز استراتيجي لجميع القبائل ، ومن هنا أخذ الرجل صفة ومسمى : أمير
ليس لأنه من بيت أمارة قديم عُرفت عنهم ، سواء أكانت تلك الأمارة في الحلسة أو في غيرهم ، يديرونها ويصرفونها الرجال كابر عن كابر ، لكنه أخذها بناء على ما بناه الأمير / سند بن عمر الحليس هو بذاته ، وما كان عليه الرجل من مجد وهيبة وسلطة وجاه فعلها هو بنفسه وبطموحه وهمته ، هذا من ناحية ايجابيات الرجل بشكلٍ مختصر .
لكن بالمقابل كان للرجل سلبيات :
هي ما جعلت الأمور بين الحصنة والحلسة تسوء حتى وصلت بنهاية الأمر إلى قتله ، وإلى قتل الأمير / صالح بن عمير الحصيني ، وإن كان الأخير قتل غيلة وغدراً .
قد كان الأمير / سند بن عمر الحليس رجل عنيد للغاية ، و صاحب كبرياء وتعالي وغطرسة كبيرة جداُ ، لا سيما مع أبناء البادية وبالخصوص مع الحصنة ، إذ كان أمره في المدينة يختلف عما هو عليه تعامله مع أبناء القرى ، لا سيما أبناء قريته الصِّناع ، ودليل ذلك سوف يتبين جليا من أحداث القصة .
قصة سجن شباب الحصنة
وتعامل الأمير سند معهم :
فالبداية تعامل مع بعضاً من شباب الحصنة بكثير من القسوة والغلظة ، حيث أن الرجل كان له علاقات قوية مع أبناء حاضرة مدينة الطائف ، وكان بعضا من أفراد الحصنة حينما قدم للطائف لقضاء بعض الاحتياجات حصل بينه وبين بعض الأفراد في حاضرة الطائف ملاسنة كلامية من معايرة وخلافه ، أدت إلى عراك بالأيدي بين الحضري وبين الحصيني ، ومعلوم أن أبناء القبائل حينما يهبطون المدن لا يعرفون كيف يحسنون التعامل مع هذه المدن ؟ ولا مع مجتمعاتها الحضرية ؟ التي هي غريبة عليهم في كل شيء ، من طباع وتصرفات ، وكبر حجم ،..الخ .
لذا حصل ذلك الاحتكاك بين واحد من أفراد الحصنة وبين ذاك الحضري ويبدو أن الحصيني كان له الغلبة في تلك المعاركة التي كانت بالأيدي ، وصرع الحضري لكنه لم يقتله ، فقط هزمه بيده وطرحه أرضاً ، وأثار به كدمات ومن هذا القبيل ، إذ أن الرجل القبلي عُرف عنه الشجاعة والجراءة وقوة المصارعة .
تلك المصارعة أثارت حفيظة كثير من حضر الطائف ، ويبدو أنه كان أبن أحد شخصياتهم ، والأمير / سند بن عمر الحليس و جدها فرصة ثمينة وسانحة لاستغلالها ، للانتقام والتشفي من الحصنة بناءً على خلافات ـ يبدو أنه وحده يحتفظها في صدره ـ فقام بسجن الحصيني مباشرة بحكم صلاحياته وسلطته .
حينما علموا زملاؤه من الحصنة وهم صغار السن في ريعان الشباب ـ وفي مرحلة الطيش وفي سن زميلهم المسجون ـ كانوا متواجدينً في الطائف ، اتجهوا لزيارته ولاستطلاع الأمر ، لكن ـ للأسف الشديد ـ وجدوا أن وراء الأمر الأمير / سند الحليس شخصيا ، وليت الأمر انتهى عند هذا الحد ، لكن ـ للأسف الشديد ـ أن الأمير سند ما توانى في إيداعهم وزجهم في السجن ، وكانوا مجموعة ، قيل أنهم : ( خمسة ) وقيل : بل ( سبعة ) وفي رواية أنهم ( ثمانية ) لكن بالتأكيد أن العدد دون العشرة وهذا هو المنطق والعقل ـ لمن يتفكر بعقل و ترويّ ـ و لمن يستقرى الأحداث بعقل وموضوعية ، لاسما في تلك الأيام وأعداد الناس والقبائل وعدد النازل منهم للمدن ومن يسجن منهم أو سعة السجون ، ومن يسجن ومقاربة سن المسجونين بعضهم ببعض وغير ذلك .
المهم أن الأمير / سند الحليس قام بسجن أفراداً من الحصنة وتعامل معهم بكل قسوة ووحشية ، حيث كان في كل يوم يعاودهم بالزيارة يسألهم بقوله المشهور :
(( من منكم حرمتي ، لكي يسوي لي قهوتي هذا اليوم ؟ وأنا أفكه من الحبس ذلحين !! )).
بالطبع أفراد الحصنة كانوا على فطرتهم البدوية ، إذ هم كانوا يتعففون أن يصنعوا له القهوة وأن يكون حالهم كحال النساء !!
هو يعلم أنهم لم يفعلوا ذلك ، لكنه كان يمارس معهم وحشية استغلال السلطة ، وقسوة المعاملة !! وتقصد الإهانة والذل والتشفي منهم .
طال المقام بالرجال وأمضوا قرابة الأربعة الأيام الأولى وهم على ذلك الحال ، وفي ليلة من ليالي سجنهم تشاور الرجال فيما بينهم وتسألوا :
هل يظل حالنا مستمر على هذا الوضع ؟ لا سيما وهم لا يرغبون أن يعلم كبرائهم وعقلائهم أنهم مسجونين من أجل المضاربة في المدينة ، لأسباب منها :
لكي لا يحرموا من الذهاب للمدينة في المستقبل ، وأيضاً لأن السجن في نظر البدوي هو إهانة ونقص في حق الرجال في ذلك العهد !!
فكان لابد من إيجاد حل !!
طبعا .. الأمير / صالح بن عمير الحصيني في قرية الصّناع ولا يعلم عن سجن أفراد قبيلته أي شيء !! إذ أن الخبر إلى أن حين يصله يحتاج أيام كثيرة ، لعدم توفر وسائل المواصلات كما هو حال اليوم ، ولابد بواسطة أن يكون عَلمَ بخبرهم أي أحدٍ من أبناء الحصنة في الطائف ، لا سيما من كان في الطائف وله علاقة بأولئك النفر من أصدقاءهم من هم في سنهم تم إيداعه في السجن مع رفيقهم الأول ، وإلى حين أن يصل هذا الحصيني إلى " الصّناع " بعد أن يكون قد أتى إلى الطائف وسمع من هنا أو هناك بهم ، ثم حينما ينتهي من قضاء جميع احتياجاته من الطائف سوف يصدّر إلى " الصِّناع " ليبلغ قومه وشيخه ، كل ذلك يحتاج لكثير من الوقت .
وإلاّ معلوم للجميع علاقة الأمير / صالح بن عمير الحصيني ـ رحمه الله ـ بالأشراف مميزة ، بل أنه أحيانا كان يأخذ أوامر في صالحه من شريف مكة المكرمة ، وليس حتى من شريف الطائف ، ومن الأدلة على ذلك أني وجدت وثائق عدة تشير إلى أن الأمير / صالح حينما يريد الدخول في ديار غيره من القبائل الغير عتيبية ، يأخذ معه ورقة مختومة بختم شريف مكة مكتوبٌ فيها :
(( إلى فلان الفلان شيخ القبيلة الفلانية ، يأتيكم الشيخ / صالح الحصيني وخوياه لقضاء بعض أموره من تخليص دين وغيره ، وسوف يمر بدياركم فعليكم قضاء أمره اللي هو أتى لأجله ولا أحد يعترض طريقه من ربعكم دامه عندكم ، وإلاّ لا تلوم إلاّ نفسك من المخالفة والسلام )) .
المهم أن الرجال في السجن ظلوا يفكرون فيما هم فاعلون إزاء هذه النازلة التي ألمت بهم ، وفي الأخير اهتدى أحدهم ـ و معلومٌ اسمه عندنا ـ إلى هداية لحلّ مشكلتهم ، فأشار على رفقاؤه بها ، لكن بعضهم رفض هذا الحل وفق ما يمليه عليه شموخه وكبريائه البدوي ، لكن في الأخير رضخوا لهذا الحل لأنه أصبح الحل الوحيد الذين يستطيعوا بموجبه الخروج من سجنهم ، لا سيما وتكرار الأمير / سند بن عمر الحليس لمقولته تلك كثرت وكبرت في نفوسهم ، لكنهم مقابل ذلك أقسموا مع بعضهم البعض أن ينفذوا ما اتفقوا عليه ، وهو أن بعد خروجهم يكون ثمن سجنهم رأس الأمير / سند الحليس ولن يتراجعوا في ذلك مهما كلفهم الأمر .
عقدوا الرجال اتفاقهم ذاك ، وكان الحل هو :
أنه حينما يأتي الأمير / سند بن عمر الحليس ويطرح عليهم تساؤله اليومي ، حيال من يكون زوجته ويعمل له قهوته الصباحية ، بأن يتزاحمون على أن يفعل كل واحد منهم قهوته تلك ، ويقوم أحدهم بفعلها حقيقة ، واختير صاحب المشكلة لهذا العمل لكي يعطون مصداقية أكبر لفعلهم ، الأمر الذي بالتلقائية سوف يجعل الأمير / سند الحليس يُغيرّ رأيه فيهم ، من أنهم فرسان الحصنة بأنهم غير ذلك ، وأنه أخطأ في تقديره لهم باعتبارهم فرسان ، لذا سوف يطلق سراحهم من السجن تلقاء هذا المفهوم .
وبالفعل قدمَ الأمير / سند الحليس في النهار التالي وطرح تساؤله اليومي حيال :
من يكون زوجته ويصنع له قهوته !؟
ففوجئ بأن الرجال يتسابقون على أن يخلقَ كل واحد منهم قهوته قبل صاحبه !!
لم يفهم الأمير / سند الحليس أن ذلك الإنحاء هو مجرد دهاء ، وأنه انحناء السنابل أمام العواصف والرياح ، ولا يمكن لسنابل الخير أن تتكسر ، وصدق الشاعر العربي حينما يقول :
ملئ السنابل تنحني تواضعـاوالفارغات رؤؤسهن شوامخ
بتصوري الشخصي :
أن فَهمْ الأمير / سند الحليس لتصرفهم ذاك كان خطأ كبير في تقديره لهمم الرجال ، وفسرّهُ على أنه رضوخ وانهزامية ، بسبب غطرسته الكبيرة التي أعمته أن يرى الواقع الحقيقي لذلك الانحناء ، كما أن حُبه ورغبته أن يراهم بتلك الصورة المنهزمة ، ـ كل ذلك ـ جعلته يصدّق لأن فعلهم ذاك أتى مواتياً لتقديره ، النابع من كبريائه المقيت ، وهذا يعطي مدلولاً واضحاً :
كم أن الإنسان مهما بلغ يكون ضعيفاً ، ويكون أضعف حينما يداخله كبر الذي حرمه الله بين البشر .
على الفور رأى الأمير / سند الحليس أنه لا داعي لبقاء هؤلاء الثلة من الشباب في السجن ، بعد أن رأى منهم ما رأى ، وعلى الفور أطلق سراحهم .
قصة قتل الأمير :
سند بن عمر الحليس
ـ رحمه الله ـ
شباب الحصنة لم يتركوا هذه الحادثة تمضي هكذا .. دونما جزاء ، يكون بقدر وحجم ما لحقهم من إهانة وتحقير ، وتحطيم لكبريائهم وشموخهم ، لا سيما وأن منهم فرسان المستقبل ، و معروفين لدى قبائل مجاورهم رأت فعلهم ومدى جسارتهم وقت الحرب .
يا ليت ..
الأمير سند لم يهين هؤلاء الفتية ، الذين لهم قصص ـ أقسم بالله ـ أنها قمة في الرجولة والفخر .
عزموا الرجال على قتله ولا يكافئ ذلهم واحتقارهم سوى الإطاحة برأس الأمير سند . ـ للأسف الشديد ـ هذا كان المسيطر على تفكيرهم وعقلهم آنذاك .
كانت خطة القوم في بادئ الأمر قتله أمام سجنه في الطائف ، لكن عاق تنفيذ خطتهم ، تفكيرهم في العواقب التي ربما تحدث جراء ذلك العمل ، وأن الشريف لن يقبل بأن يتجاوز أحدا من الشعب على أحدٍ من مسئوليه في حرم عمله ، كما أن هذا الفعل ربما يدفع ثمنه الباهظ ليسوا هم وحدهم ، بل ربما كامل قبيلتهم .
والحقيقة .. أن هذا التوقع كان موفقا ، لأنه لو حصل منهم ما كانوا يخططون له ، لربما أوقع كامل القبيلة في حرج شديد مع دولة الشريف .
وهاهم بالرغم أنهم حصروا الأمر بينهم وبين الأمير سند لكن النتيجة أيضا تعدت الطرفين وألحقت خسائر بأناس لا علاقة لهم بالأمر .
عدلَ القوم عما كانوا ناوين عليه واستبدلوا خطتهم القديمة بخطتهم الجديدة وهي :
أن يكمنوا للأمير / سند الحليس كمينا جيداً ، بحيث يضمن لهم النجاح بالنيل برأس الأمير سند ، وذلك بأنهم تابعوه وراقبوه فترة من الزمن ، وتأكدوا بأن الرجل في " وادي صلا " بقرب قريتهم الثانية المسماه " جوش " ويرغب الذهاب غداً إلى قرية " الصِّناع " من أجل النظر في بعض الأمور الخاصة بمزرعته التي في وادي " الصِّناع " ، لذا جعلوا خطتهم تعتمد بالمقام الأول على اختيار المكان الذي سوف يُقتل فيه الأمير / سند الحليس ، وهو لابد أن يكون في الأراضي الحصينية لعدة أسباب منها :
كي يعلم القاصي والداني أن ما فعله الأمير/ سند الحليس بأفراد الحصنه من سجنهم في الطائف بمساعدة حاشيته ، وتحقيرهم بذلك السجن ، أن هذا هو رد الحصنة عليه بقتله وفي أراضيهم تأكيداً ودليلاً على القتل ، الأمر الأخر لكي لا يدخلوا طرفا ثالثاً في أمرهم أو يقحموه فيه ، وربما حينها الأمور تخرج عن دائرة الخاصة بين الطرفين .
زد على ذلك أنه مهماً يكن الأمير / سند الحليس فهو أيضا أبن عمهم من الطفحة ، ولا يرغبون أن يكون هنالك طرف ثالث على ذات الخط وأن يبقوا الأمر بين الطفحة سواء كبر أو صغر .
أعتمد الكمين الذي وضعوه الرجال على عدد ( 8 ) من الرجال .
وبتصوري الشخصي :
(( أن هؤلاء الثمانية هم الذين كانوا في السجن ، لأنهم أولى الناس بالإيمان بعملهم الذين سوف يقومون به ، وأنهم أفضل من سوف ينفذه بجراءة وشجاعة وكفاءة عالية واقتدار ))
المهم أن أربعة منهم من قرية " الصِّناع " والأربعة الآخرون من قرية " جوش " وربما عملية الانتقاء من القريتين كانت مقصودة ، لكي تتحمل القبيلة بكاملها نتيجة ما سوف يحصل من هذه العملية ، بل أن كل رجل منهم من فخذ من أفخاذ الحصنة الثمانية ـ وأنا أعرفهم بالاسم ـ لا داعي لذكرهم لعدم الفائدة من ذكر أسماؤهم .
المجموعة الأولى :
وعددهم ( 4 ) يبقون في منطقة واحدة من جهة قرية " جوش " مسلحين ببنادقهم ، ( 2 ) منهم على رأس ضلع و ( 2 ) الآخرين على رأس الضلع المقابل ، وعلى هؤلاء الأربعة أن يتركوا الأمير سند يسير من جهتهم باتجاه " الصِّناع " ويبقون في مكانهم .
على أن ينحصر دورهم في تغطية رفقاؤهم الذين في المجموعة الثانية من أي مدد قد يصل للأمير / سند من جهة " جوش " ، والإشارة بينهم وبين رفقاؤهم في المجموعة الأخرى أنه حينما يسمعون صوت البندق ثائرة من رفاقهم أصحاب المجموعة الثانية التي يكون الأمير سند قد وصلها ، عليهم أن يتقدموا مسرعين باتجاه أصحابهم ، إما لمساعدتهم لو حصل هنالك أمر يدعوا للمساعدة ـ لأنه ربما يكون الأمير سند واعد رجال آخرون " كخويا له " من جهة أخرى فهم ليسوا متأكدين ممن سوف يكون مخاوياً للأمير ـ أيضاً من أجل أن ينضموا مع رفاقهم ويعودوا سويا بعد أن يكونوا قد أدوا مهمتهم بنجاح ، و العودة بالطبع سوف تكون لقرية " الصِّناع " التي هي معقلهم ومكان أمانهم .
أما المجموعة الثانية :
وعددهم ( 4 ) الباقون من جهة قرية " الصِّناع " ، فمنهم ( 2 ) برأس جبل و ( 2 ) برأس الجبل المقابل ، بحيث يكون الرجال نياماً على بطونهم ، وعلى كل واحد منهم حينما يريد الرمي ببندقه أن يغمز بأصبع قدمه على رجل زميله قبل الرمي ، لكي يرموا سويا وفي وقتٍ واحدٍ ، بحيث يضمنوا إن أحدهم أخطأ في الرمي فزميله يكون أصابه .
الأمير / سند الحليس حينما أراد الذهاب من " وادي صلا " باتجاه " الصِّناع " نصحوه قومه الحلسة فقالوا له :
أين ذاهب يا الأمير ؟
فقال لهم : أريد " الصِّناع " من أجل النظر في مزرعتي و المحصول ، وأحوال زراعتي .
فقالوا له : من صِدقكْ تتكلم ؟
ألاّ تعلم أن الموت الأحمر ينتظرك في " الصِّناع " ؟
أنسيت .. الحصنة وسجنك لأفرادهم !!
قال لهم بكل غطرسة وكبرياء :
أولئك " وراعين " وأنا ربيتهم ، حتى والله يا بعضهم كنت أحسبه رجّال ، لكنه خيب ظني ، وسووا لي قهوتي ، فما عليكم منهم ، لو هم رجال ما قبلوا على أنفسهم أن يفعلوا قهوتي .
قوله السابق :
يعطي مؤشر حقيقي لما كان عليه الرجل :
(( من قمة الكبرياء والغطرسة ، التي كانت في الرجل )) .
الرجل لم يكترث بنصيحة جماعته ، وذهب لقدره ، وسبحانه الله القائل :
{ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ } [ سورة الأعراف أية 34 ] .
الحاصل أن الرجل ذهب وكان برفقته خوي من خوياه من قبل الشريف ، قيل أنه : " حبسي " .
المهم حينما وصل الرجل للمجموعة الأولى من الحصنه تركوه يسير من أمامهم دونما أن يتصرفوا بأي حركة كانت ، بل قيل أنهم سمعوه وهو يسير من أمامهم ( يتغنى ويقصد بشعرٍ له ، والرجل معروف أنه شاعر بحر ) .
وحينما قَرُبْ من المجموعة الثانية التي باتجاه " الصِّناع " وكانوا يريدون أن يصل الرجل إلى حيث هم فيرموه سويا ، لكن أحد النفرين اللذين كامنين باتجاه الجهة اليسرى لاتجاه الأمير سند ( وهي التي بجهة اليسار للذاهب من جوش باتجاه الصِّناع ) كان يريد أن يكون له السبق ، حيث هو أصلاً من كانت المشكلة بسببه ، زد على ذلك هو من قام بفعل القهوة للرجل ، لذا كان حنقه وحقده وغبنه على الأمير سند أكثر من زملاؤه ، وحينما قدم عليهم الأمير سند على ذلولٍ يركبها متعلقاً بندقيته على ذلوله بين متاعه ، وحين قربْ منهم رمى الرجل الحصيني قبل زميله المجاور له ، ولم يغمز بأصبعه على قدم زميله كما هو متفق عليه ، وقيل أن الرمية أصابت الأمير سند في كتف يده اليسرى ، ومباشرة وضع الأمير سند يده على بندقيته التي كانت بداخل متاعه ، فحاول أن يسحبها ويرد عليهم لكن زميل الحصيني الرامي كان قد أرسل طلقته مباشرة والتي أصابت الأمير سند في جبينه ومنها ارتمى على الأرض ملطخاً بدمائه ، وقد حاول خوي الأمير سند أن يستخدم بندقيته ، لكن صاح الصائح من الحصنه وقد عُرف أن الخوي حبسي فقالوا له :
يا حبسي حنا حصنه ، ولنا خصم وأخذنا حقنا منه ، ولا بيننا وبين الحبوس مخلاص ، وإن حبيت السلامة فعوّد لدربك وأخذ خويك معك ، وحينما نظر الحبسي إذ الحصنة أربعة أمامه قد نزلوا من رؤوس الجبال ، وأربعة المجموعة الأولى التي ناحية قرية " جوش " قد وصلت مسرعة وهي تسأل زملائهم :
ذبحتوا الرجاّل ؟ ها مات الرجاّل وألاّ بعد ؟ بشروا !! .
فرد عليهم رفقائهم :
( ألاّ ذبحناه عانه فوق ذلوه وخويه الحبسي يبي يعودبه لربعه ) .
عاد الحصنة الثمانية إلى قريتهم بعد أن شفوا غليلهم ممن أهانهم وحقرهم .
من هذه القصة تذكرت حديث أنس ـ رض ـ حيث قال :
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال . رواه البخاري .
فما فعله هؤلاء الرجال إلاّ بما حلّ بهم من قهر وغلبة وظلم ، لذا كان منهم ما كان .
أنا لا أبرر فعلهم مطلقاً !!
ففعلهم خطأ كبير وقعوا فيه ، وكان بالإمكان حين خروجهم من السجن العودة لأميرهم / صالح بن عمير الحصيني الذي حتما لن يترك هذه الحادثة تمر هكذا دون أخذ حقوقهم ، أنا أجزم بأن الموضوع لو تُرك للعقلاء مثل الأمير صالح فسوف يعمل بالعقل والمنطق حتى لو أقتضى الأمر أخذ حقهم بواسطة شريف مكة ، نظرا لما له من علاقة مميزة معه ، كما لِما للأمير صالح من سمعة طيبة سواء لدى الأشراف عامة أو لدى شيوخ القبائل الأخرى ، وحتما سوف يأخذ حقهم بواسطة هؤلاء الشيوخ ، وشيوخ الطفحة لن يرضوا بأن يهان أبناؤهم من أي رجل كان ، وسوف يقولون كلمتهم ، بالخصوص شيوخ أبناء مزروع .
لكن ـ للأسف الشديد ـ شباب الحصنة لم يعطوا حتى لأميرهم الفرصة كي يحل مشكلتهم ، وأرادوا حلها بأنفسهم دون الكبار!.
ردة فعلهم ممن أهانهم وكسر شموخهم كانت أكبر من أن يفكروا بالمنطق ويَحكِموا العقل ، ونحن نعلم أن قانون نيوتن يقول :
" لكل فعل ردة فعل مساو له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه "
وهؤلاء الأفراد كان فعلهم ، ردة لما حصل لهم من فعل ، هذا تفسير ما قاموا به من عمل .
اضطراب في قبائل الطفحة تجاه
مقتل الأمير / سند بن عمر الحليس
ـ رحمه الله ـ .
بعد مقتل الأمير / سند بن عمر الحليس ـ رحمه الله ـ ضجت قبائل الطفحة عامة وبالخصوص ( أبناء علي ) منهم ، حتى كبار الحصنة كان وقع الخبر عليهم كبير ، حتى قيل أن الأمير / صالح وبخ أفراده وغضب منهم ، وتكلم بكلامٍ قاسي فيهم ، لدرجة أنه قال لهم كلاما غاية في التوبيخ ، وإن كان في بادئ الأمر لم يُعرف منهم بالضبط ، نظرا لتكتمهم فيما بينهم على من فعل ذلك ، لكن فيما بعد عُرفوا الرجال من يكونوا .
الشاهد أن الأمير صالح غضب منهم ، ومن فعلهم لا سيما وأن الأمير سند كان حتى عند الحصنة له مقامه ، إذ الرجل من كبار الطفحة ولا شك في ذلك ، لكن أمر الله كان وصار .
كانت قبائل أبناء علي وفي مقدمتهم الجعدة يتهددون ويتوعدون أنهم سوف يأخذون بثار الأمير سند من الحصنة ، وقيل أنهم بدئوا يعدون العدة لشن حرب على الحصنة هم وقبيلة الحبوس ، بل قيل أنهم أرسلوا لقبيلة خديد مرسولاً يطلعهم على الخبر والتشاور معهم ، ومعلوم أن قبيلة الجعدة وقبيلة خديد كانتا أكبر قبائل " أبناء علي " عددا وحضورا في ذلك الزمان .
سمع بتهديداتهم أميري السوطة والوذانين وهاتين القبيلتين من " أبناء مزروع " وأرسلا للأمير / صالح الحصيني يستطلعان الأمر . على أثر ذلك كان هنالك لقاء هام حدث جمع كلٌ من أمراء القبائل التالية :
السوطة والوذانين والحصنة ، و تناقشوا فيما حدث ، وشرح لهم الأمير صالح أسباب المشكلة ، وما كان من الأمير سند تجاه أفراده من إهانتهم وتحقيرهم ، وأن أولئك الرجال هم من شباب الحصنه ، وما فعلوه أيضا أولئك الأفراد من قتل الأمير سند ، وماهو عليه " أبناء علي " بالذات الجعدة الذين هم جيران الحصنة ، وما كان من تهديدهم وتوعدهم بأخذ الثار .
عليه مباشرة أرسل أمير السوطة مرسوله إلى أمير الجعدة يفهمه بالأتي :
إن الأمير سند تعامل مع بعضاً من الأفراد من الحصنة بطريقة ما كان على رجل مثله وبمقامه أن يفعل ذلك ، حيث أهانهم و حقرهم واستغل سلطته ، وبدل أن يكون عونا لهم عند البعيد بحكم أنهم من أبناء عمومته ، أو الرجوع لأميرهم على " سلوم " القبائل المعروفة ، أو استدعاء كبار " أبناء مزروع لو أن الأمر يستدعي ذلك ، لكن شيء من هذا لم يحدث ، بل تجاوز كل ذلك وبدل من أن تكون المشكلة بين فرد منهم مع غيره وبالإمكان حلها ، إذ به يسجن أفراد آخرين منهم ليتجاوز بذلك كل المعقول إلى غير المعقول ، والآن المشكلة بين الحصنة والحلسة ، وهم أقرب لبعضهم البعض بحكم المصاهرة وتواجدهم بقرية واحدة ، لذا إما أن تتركوا الحلسة والحصنة يخلصون فيما بينهم ، أو الدخول بينهم بالصلح والنظر في الأمر منّا ومنكم ، ومن ثم الحكم فيما بينهم ، وقد سمعنا أنكم تعدون العدة لمهاجمة الحصنة أنتم والحبوس وخديد لأن الحلسة أبناء عمومتكم ، لكن لو دخلتم أنتم وإياهم فسنضطر نحن السوطة ومعنا الوذانين بالدخول بجانب أبناء عمومتنا الحصنة إذ هم من أبناء عمومتنا ، ولن نظل مكتوفي الأيدي تجاه دخولكم بين الحلسة والحصنة ، لكن أتركوا القبيلتين يتفاهموا فيما بينهم أو الصلح بينهم ، لكن دخولكم في حرب سوف يجعلنا ندخلها مع أبناء عمومتنا ، و تكون حرب طاحنة بين الطفحة ، ونحن بالأصل أبناء رجل واحد ، وهذا ما يتمناه لنا البعيد ويكرهه لنا القريب .
بعدها انتهت تهديدات شيخ الجعدة ، لكنه استمر في تحريض المدعو / عواض الملحق وهو من الحلسة ابن أخي سند وأصبح مكان عمه الأمير / سند الحليس في رئاسة قبيلة الحلسة .
عواض الملحق الحليس أمه حصينية بنت الأمير / عمير بن بكري الحصيني ، والأمير / صالح بن عمير الحصيني خاله لزم ، وهو من قام بتربيته منذ كان طفلاً حتى كبر ، وكان يعده أبنه وكثيرا ما يتغنى بذلك ، ولا يعلم أن القدر سوف يقول بغير ذلك .
الوضع عند الحصنة في حالة حذر وترقب والرجال وضعوا " المسابير " فوق حصنهم ، والمسابير:
هم من يقوموا بحراسة القرية " الصِّناع " من خلال حصنها ، و لا يوجد في هذه القرية إلاّ حصن الحصنة فقط ، وهو الحصن الوحيد حتى يومنا هذا ، وتم التنبيه على الرجال بأخذ الحذر الشديد وأن لا يذهبوا إلاّ جماعات خوفاً من أن يحصل هنالك مفاجأة إلاّ ويكونوا على استعداد للتعامل مع كل الأحداث بما يجب .
بل أن الأمير / صالح الحصيني لا يذهب أي أرضاً يريدها خارج قريته إلاّ ويكون معه مجموعة كبيرة من الرجال ، قيل العدد ما بين ثلاثون أو الخمسون رجل ، حتى أنه في ذات مرة أراد الذهاب إلى الطائف ويبدو أن العدد المرافق له هذه المرة كان كبيراً ، أكثر من كل مرة بسلاحهم المتكامل ( من سلاح أبيض مثل الجنابي والشلافي ، أو السلاح الحي مثل البنادق وذخيرتها ) ، وحينما قرب الطائف بعد أن تجاوز وادي ليه باتجاه الطائف وعند منطقة يقال لها : " اليسرى " توقف الموكب المرافق له في هذا المكان ، وقدمَ هو إلى الطائف ومعه ثلة قليلة من أولئك الرجال ما بين الخمسة أو السابعة هم خيرة الحصنة فروسية وشجاعة ، و رافقوه لوسط الطائف " السوق " وبينما هو في السوق إذ مرسول شريف الطائف يطلب منه الحضور إلى مقام الشريف حالاً ، وحينما دخل الأمير صالح على الشريف ورفاقه بالخارج ينتظرونه ، سأله الشريف :
ما هذا الذي سمعناه يا صالح ؟
قال له : وما سمعت يا سيدي ؟
قال : سمعت يقولون أن معك جيش من الرجال مسلحين بكامل عتادهم ؟ وش قصة هؤلاء الرجال ؟ و ما قصة السلاح الذي معهم ؟
قال له : لا يا سيدي لا جيش ، ولا مثل ما قيل لك ، فقط لنا " عاني " من أهل ليه ؟ واليوم " طهار " ولده وقراه ، وأم الولد من الجماعة ، وحنا خواله ونبي نكسيه ، على عوائدنا مثل ما تعرف ؟
وهاهم الحصنه بوادي ليه عند عانيهم ، وما قدم معي للسوق سوى خوياي ستة رجال هاهم في الخارج ببابك .
قال الشريف : المهم يا صالح ، أنت رجاّل ثقة ، وأنتبه لبعض العلوم التي تمس اللحية ، ومثلك خابر لا نريد أن نسمع إلاّ ما نعرفه عنك من طيب وعلوم رجال ، والرجال الذين معكم بالضرورة أن تصرفهم إلى شئونهم ولا يبقون في الطائف نهائيا .
قال له : أبداً .. لن يأتيك ألاّ بياض الوجه ، وفي سد اللحية ما يأتيك ألاّ الذي يفرحك .
الأمير صالح حينما جعل الرجال يبقون بوادي ليه كان تصرفه حكيماً ، لأنه من الصعوبة في ذلك العهد أن يقدم رجال مجتمعين بوقت واحدٍ وبكامل سلاحهم ويدخلون المدينة هكذا ... !!
سوف يُفهم على أنهم قادمين محاربين ، ومع إصرار الحصنة على شيخهم أن لا يسير إلاّ بكامل الحماية التي لا تُمكن لأحدٍ من تعرض الأمير إلاّ ويكون هنالك حرباً حقيقية يتم خوضها ، سوى ذلك لن يتعرض طريقه أحد طالما كان أولئك الرجال معه وبهذا العدد الكافي .
إن فعل الأمير حينما جعل الرجال يبقون بوادي ليه ولا يدخلون معه الطائف كان ذلك حكمةً منه ، حيث ضرب عصفورين بحجرٍ كما يقال .
الأمر الأول : أنه لبى رغبة قومه بمصاحبته ولاءً وخوفاً عليه .
والأمر الآخر : أنه لم يتركهم يصاحبونه إلى مركز وسط الطائف حيث الحكومة ومقارها ، لكي لا يتسبب ذلك في حرجٍ له مع حكومة الشريف ، وبتصرفه ذلك وفق بين الأمرين .
أيضا إجابته للشريف كان فيها كثير من الحكمة حينما قال :
أن لهم عاني من أهل ليه ، وسوف يقومون بواجبهم مع عانيهم ، لكي لا يشعر الشريف أن أولئك الرجال حماية له في رحلته ، لكي لا يتدخل الشريف في الموضوع وتنتشر قصة خلاف الطفحة فيما بينهم بين الناس وبين الحكومة ، إذ حبَ أن يجعل الخلاف محصوراً بين الطفحة لا غير ، ويكون أراح نفسه من تدخلات الشريف في شئونهم ، وبذات الوقت لا يفعل شوشرة وبلبلة لقومه أو للطرف الأخر وجميعهم طفحة .
هذا التصرف للأمير صالح يعطي مؤشر ودليل قوي على ما كان يتمتع به الرجل من حكمة ودهاء ، وهدوء وحنكة وتعقل .
عواض الملحق الحليس هو أحق رجل من الحلسة بأخذ الثار لعمه الأمير سند ، وأصبح الرجل الأول في قبيلة الحلسة مكان عمه .
كان هنالك رجل من الحصنة يعمل في مزرعة عند " أهل ليه " و عمله يقوم على حماية البساتين من الطيور العابثة بالثمار ، و ذلك من خلال طرد هذه الطيور ـ ( نشها ) كما يقال بلهجة عتيبة الحجاز ـ والتي تقع على بساتين العنب بواسطة سلاح يدوي بسيط يطلق عليه مسمى " المقلاع " ، والمقلاع هذا هو عبارة عن :
قطعة من جلد الحيوان الخام ، أو حتى يُصنع من ذات خام الحبال ، مربوطًا بكل طرف من طرفيه حبل وتريّ ، ويوضع داخل تلك القطعة حجراً أو ( جبابة ) من الطين ـ والجبابة عبارة عن طين لكنه يابس ، وهو كومة متراكمة على بعضها البعض من الطين اللين الذي فيما بعد أصبح يابساً ـ أو يوضع أي شيء من الأشياء التي تنفع أن تكون مؤدية للغرض ، ويقوم الشخص القائم بالعمل بالتلويح بالحبلين معًا واقفا فوق رأسه ، ثم يطلق أحد طرفي الحبل من أجل قذف الحجر أو الجبابة بشدة .
طبعا في حالة حماية البساتين مثل العنب وما شابهه تستخدم الجبابة لكي لا تؤذي المزروعات ، وطرد تلك الطيور لكي لا تنقب في خصل العنب ، فاستخدام الجبابة تلك مبرر فيه لكي لا يكون وقوع المقذوف على الزرع مضر به ، لكن بمواضع أخرى يستخدم الحجر من أجل إصابته للهدف تكون أقوى شدة ، وأعمق أثرا ، مثلما هو الحال الآن لدى البواسل أطفال فلسطين الجريحة اليوم .
المهم هذا الحصيني رجل بسيط جداً ، إذ معلوم أن من يقوم بعملٍ كهذا هو إما صاحب الحقل نفسه ، أو أحد أبناؤه ، أو يكون رجل كبير لكنه ضعيف الحال ، بسيط في جسمه وفي عقله . وهذا هو حال الحصيني المسكين .
حينما وصل عواض الملحق الحليس إلى ليه وسمع أنه يوجد حصيني بهذه المزرعة قام بقتله مباشرة ، طالما هو حصيني وبذلك يكون قد أخذ بثأره .
إن الحقيقة ليس كما ذكرت تلك الرواية حيال أن عواض المذكور قام بقتل الفارس / أبوعيون كما قيل !!
الفارس أبوعيون نعرفه جيدا ، وللجميع ممن ليسوا على إلمام تام بالقصة وأحداثها ، فالفارس أبوعيون أسمه / صالح الحصيني من خامس ذوي عيفه ، ومن قرية " جوش " تحديدا ، و( أبوعيون ) لقباً له ولأسرته حتى اليوم ، فهم رجال كبار الجثث ، خلقهم الله ولهم عيون وساع جداً ، تميزوا بهذه الميزة نظرا لكبر حجم عيونهم وحتى يومنا هذا هم مميزون بضخامة الجثة وكبر العيون .
والفارس صالح ليس شيخا من شيوخ الحصنة كما ذكرت تلك الرواية ، لكنه فارس من فرسانهم المشاهير ، ومن الصعب قتله هكذا دونما أن يكون له قصة قوية في قتله ، وهو بالفعل من فرسان الحصنة المعدودين ، وله مشاركات في حروب الحصنة مع القبائل المجاورة ومعلومٍ فعله ، ومطلوب رأسه عند الكثير من القبائل التي خاضت الطفحة حروبها معها ، وليس المجال هنا الحديث عن الفارس / صالح لكي نبسط كل ما يتعلق به ، لكن نبأ قتله سوف أورده في ثنايا هذا الرد .
المهم بعد قتل عواض الملحق الحليس للحصيني الذي بوادي ليه ، قدم على أمير الجعده الذي نهره وقيل وبخه ، وقال له :
ليس الأمير سند بالرجل البسيط ، لكي تقتل مقابله رجل يطّير الطيور ، وظل يحرضه على ضرورة قتل الأمير / صالح بن عمير الحصيني ـ رحمه الله ـ .
في بادئ الأمر عواض المحلق الحليس استكبر أن يقتل خاله الأمير / صالح الحصيني لعدة أمور منها :
1 ـ أنه خاله بالمقام الأول .
2 ـ أنه من تولى تربيته حتى كبر ويعتبر بمقام والده .
3 ـ ماذا سوف يقول لأمه ؟ في قتل أخيها الذي بالأمس عطف عليه ورباه .
4 ـ عدم قناعته بقتل الأمير / صالح الحصيني لأن ليس له علاقة بكامل المشكلة التي دارت بين عمه والحصنة .
5 ـ إن قتل العزيز المتدين مثل الأمير / صالح بن عمير الحصيني ظلماً كبير ، ولن تكون ردة الفعل المقابلة بالأمر الهين عند قتل منه بمقامه ، وحتما لن يتركوه لا الحصنة ولا حتى الطفحة في حاله ، إزاء قتله إياه .
لذا ظلّ يتردد في قتل خاله كثيراً ، وما يؤكد هذا هو أن بين قتل الأمير / سند الحليس وبين قتل الأمير / صالح بن عمير الحصيني فترة عام كاملة ، لكي نعلم مدى تردد عواض الملحق بقتل خاله ، لكن إلحاح وإصرار أمير الجعدة عليه ، ومن ثم معايرته له بعدم أخذ ثأره ، وصلت إلى أن يقتنع بضرورة قتله درءٍ للعار الشنيع كما صوره له أمير الجعدة .
لكن ـ للأسف الشديد ـ لم يكن قتله لخاله بطريقة شريفة له و لتاريخ القرابة بينهم ، بل ولا حتى لنخوة الرجل في حق الرجل العربي .
قتل الأمير :
صالح بن عمير الحصيني
ـ رحمه الله ـ غيلةً وغدراً :
لقد استدرج عواض الملحق الحليس خاله الأمير / صالح بن عمير الحصيني بطريقة الغدر والغيلة ، إذ ذهب إلى خاله في وادي " الصِّناع " ومعه قصة " مصطنعة " قام بسردها على خاله وتدور أحداث تلك القصة :
أن هنالك مشكلة بين عواض هذا ، وبين جماعته الحلسة ، حول مزرعته التي بوادي " بسل " المسماة " الجريبة " وقال :
أنا ارتضيتك يا خالي للصلح بيني وبينهم ، وأريد منك أن تحكم بيننا وأنا لا أرضى بسواك حكما .. إذ كان معلوماً أن الأمير / صالح مشهوراً وبارعا في حل مثل هذه الأمور، ومقبول في تحكيم مثل هذه القضايا عند سائر القبائل الأخرى ..
خاله صالحا صدّقه بحسن نيته لأنه معروفا عنه أنه رجل دين وتقوى وورع ويحسن الظن في الآخرين ، و من رآه هابه من وقاره و هيئته التي هو عليها ، حيث يظهر عليه هيئة الوقار الديني و المشيخة القبلية ..
بالرغم من تحذيرات وتنبيهات الحصنة لأميرهم ، لكن لا ينفع الحذر مع سبق القدر ، إذ أن الحصنة كانوا ينصحوه بعدم الذهاب مع ابن أخته ، وربما يكون ذلك تخطيطا للانتقام منه على إثر قتل سند المذكور ، إلا انه كان دوما يقول لهم :ـ
( يا رياجيل هذا ابني ، وأنا لم أقتل سند ، ولم أمر بقتله ، وداخل على الله ثم عليكم لا تفرقون بيني وبين ولدي )
خلاصة الكلام أنه ذهب مع أبن أخته إلى " وادي بسل " وكان معه شخص واحد من الحصنه أسمه " منيف " أصرَّ بمرافقته ، كان من شباب الحصنه المعلوم عنه الشجاعة والإقدام .
حينما وصلوا إلى " وادي بسل " كان عواض الملحق قد أعد لخاله ذبيحة وقام بضيافته ، وحينما جنُّ الليل عليهم ، وأراد الرجال الخلود للنوم كانا الأمير صالح ورفيقه منيف يتباحثان حول ما كان القوم عليه من كلامٍ وقت العشاء ، فقال منيف :
( يا الأمير والله إن كلام الحلسة ماعجبني وكنهم مسوينها ، يدولفون ومسوينها حيلة )
وبينما هما في حديثهما دخلت عليهم والدة عواض المحلق أخت الأمير صالح وقالت لهم :
الريجيل سمعتهم في الحار يتخافتون على ذبحك يا صالح وأنتم بعد قاعدين !! ـ الحَارّ تنطق هكذا باللهجة العتيبية أي فناء وحوش الدار ـ .
جنُّ جنون منيف وقال :
يا الأمير قلت ألك الحلسة وضعهم مريب ، لكن هيا الآن لابد أن تذهب معي وأنا سوف أحميك بالبندق هذه ، ولابد من مغادرتك هذه القرية الآن .
رفض الأمير / صالح وقال :
يا ولد هذا ولدي ولا يمكن أن يفعلها مهما كان !
عواض أنا مربيه ومحسن له ، وهو بحسبة ولدي ولا يمكن أن يفعلها ولدي مهما كان ، دخيلك تفكنا من هالسيرة وكلام النسا .
حيال إلحاح منيف المذكور قال له الأمير صالح :
خلني هالحين أصلي وأنا عمك وبعدين أشوف وش الدبرة .
يقول منيف : والله العظيم إني أنظر للأمير صالح حينما أنقضى من صلاته كأني أرى الموت في عينيه .
فقال لي :
وأنا عمك لا تروح في كلام الحرمة ، وأنتم بعد صغار ، والرجل ما يجب يأخذ كلام الحريم ، الحليس أكرمنا بعشاه وأنا عمك ، و لو يبا شيء وألا في رأسه علم ما كان عشانا ، وكان سوى اللي في رأسه وش يرده ؟ لكن لا تروح في العلوم ، وهذولي حريم وش يسمعن من كلام الجهال يجونك أبه في ساع ويعلمون أبه ، سوا كان صدق وألاّ كذب ، فلا تروح وأنا عمك في بعض الأمور ، وأنا أبد ماني بقايم وظاهر من بيت ولدي .
يقول منيف :
حينها فقط عرفت أن الوقت يمضي والأمير لن يقتنع بما أقوله ، لذا قررت أن أنسل في جنح الليل ، و أنسحب من عند القوم لوحدي وقلت له :
والله يا أمير أني شايف فعل الريجيل كنه هالحين قدامي ، لكن أبيك تسمحلي لجل لا تكون المصيبة مصيبتين ، أنا ماني بقاعد عند الحلسة هالليلة ، وأبي أروح حدنه ليل وأبا أعود لجماعتنا ، وأنت إن كان لك عمر طويل مثل ما تقول نبي نلقاك بين جماعتنا وأنكان غيرها فالمسامحة و أرخصلي .
يقول منيف :
والله إني قبلته فوق رأسه وبين عينيه ولا أعلم لماذا قبلت يده على غير المعتاد ؟ ولا أرى فيه سوى ريحة الرجل الديّن الذي واثق في ربه وأن ما سوف يأتيه إلاّ ما كتبه له الله ، والله أن العبرة متحجرة في مقلتي ولم تفارق عيني ، نظرا لما أراه من سماحة وحسن نية وصدق في الأمير ، وكم هو مؤمن بأن عواض هو أبنه كما يقول ـ ويقدمه علينا في السابق ، لكن ـ للأسف ـ الأمير لم يطاوعني ولم يأخذ بنصيحتي ولا بنصيحة ربعه من قبل .
من هذا نستخلص أن الموت حينما يأتي لإنسان فلا مفر منه لو اجتمع من في الأرض جميعاً ، فلن يحولوا بينه وبين الموت وصدق الله تعالى إذ يقول :
{ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ) [ سورة الأعراف أية 34 ] .
حينما أصبح الصباح قام عواض المذكور إلى خاله الأمير / صالح يعرض عليه مواضع النزاع التي بينه وبين جماعته على الطبيعة ، ويُبيّن حدود مزرعته من وجهة نظره ، وبدأ على حدود المزرعة وبيده عود من شجر يخط به على الأرض ويقول : كذا وكذا ، وهم يقولون : كذا وكذا ، وكأن الأمر حقيقة .
وكان قد أمر عبداً له معه بندق يمشي خلفهما ، وأوصاه حينما يعطيه إشارة القتل بأن يطلق الرصاصة من البندقية التي معه على الأمير / صالح الحصيني .. كانت الإشارة هي "النحنحة بالصوت " وكررها عدة مرات ، لكن العبد لم يفعل أو يجرؤ على قتل الأمير / صالح وخافه ، هيبةً لوقاره وهيئته الدينية الواضحة على مظهر الأمير / صالح بن عمير الحصيني ( رحمه الله ) .. مما اضطر معه عواض الحليس أخذ " الجنبية " من وسط حزام خاله بغتة ً ، و صاح في وجه عبده قائلاً :
يا عبد ليش ما رميته ؟
فأجابه العبد :
يا سيدي .. والله مثل هذا الشيخ ما ينذبح ، ولا استطيع قتله وهذا رجاّل دين و تقوى . وما في ذبحته خير .
هنا قال الأمير / صالح لابن أخته :
( العلم وشنهو يا عواض ؟ )
فأجابه عواض :
يا خالي ما يسد في سند غير أنت ، والحلسه والقبائل فضحتني يوم أني حتى الآن ما أخذت بثأره !!
فأجابه خاله صالح :
لكن أنا ما قتلت سند ! ، ولا أمرت بقتله ! ، وسند ظلم رياجيل الحصنه وحقرهم ، والمفروض يكونوا عزوته ونخوة له ، وهو ألهم عزوة ونخوة ، لكنه سجنهم بدون وجه حق ، وكل يوم في السجن يعاود لتحقيرهم ، لجل كذا قتلوه من عمله فيهم وغبنه ألهم ، وأنا خالك ومربيك واعتبرك بحسبة ولدي ، ولا طعت كلام الناس فيك يوم حذروني منك ومشيت معك لين هنا مصدقك .
فأجابه عواض :
يا خالي والله ما يسد في سند غير أنت ، بس وش تبي من وصية ؟ وصِ يا خالي .
فأجابه الأمير / صالح :
ـ حسبي الله ونعم الوكيل ـ أنا متوضي وأنا خالك وخلني بس أصلي ركعتين .. وكان الأمير صالح رجل كبير في السن قيل كان سنه فوق الثمانون عام ، وبالفعل صلى ركعتين ، وما أن فرغ من الصلاة ووقف الأمير صالح إلاّ وأبن أخته / عواض الملحق الحليس قد باشره بالجنبية في بطنه من الجنب إلى الجنب الآخر !!
ـ للأسف ـ الأمير صالح ليس معه سوى تلك الجنبية التي كانت بوسط حزامه ، وباكوراً كان في يده ، و مشهور عنه أنه لا يحمل سوى الجنبية بوسط حزامه ، والباكور في يده ، لذا يُطلق عليه ـ راعي الباكور ـ لأنه دوما معه فرسان الحصنة لا يتركونه يسير لوحده إلاّ معه مجموعة منهم ، لا سيما وهو رجل طاعنٌ في السن ، ورجل سلم أكثر منه رجل حرب ، بل أن أحكامه التي كان ما يقضي بها بين الناس تدلُ على تدين الرجل ، ومعلوم أنه في خلواته دوما متعلق بالقرآن الكريم يوم كان الكثير جاهل في الأمور الشرعية ، لكن الأمير صالح مؤديا لها ، وهنالك من الإشارات والدلائل التي تشير على حبه وكثرة المساكين والأرامل والضعفاء الذين كان عائل لهم وحاميهم ، كل ذلك جعل له رزمة رجل له ثقله ، وهيئته العامة ممزوجة بشيخ القبيلة وهيئته ، ورجل الدين وهيبته ، وقُتل " رحمه الله " وهو يقول :
(( جوز بنتك واحتز ولدها ))
وقيل هو أول من قال بهذا وأصبح مثلا يضرب بين الناس ، وهذا ما يرويه قدامى الحصنه .
فعل عواض المحلق في خاله يذكرني بما تقوله العرب :
( لقي جزاء سنمار )
لم يكن فعل عواض الملحق كما قال الله تعالى :
{ هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ } ... [ سورة الرحمن : 60].
وحال الأمير صالح يقول ما قاله أحد الشعراء :
جزاني جزاه الله شرّ جزائـهجزاء سنمار وما كان ذا ذنب
لكن نرجو من الله العزيز الحكيم أن يوافق قول الله تعالى :
{ ...إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [ سورة يوسف : 90].
وقوله تعالى:
{ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ سورة : الزمر 10] .
ونقول لكل من أعجب أو أيدْ عمل وفعل عواض الملحق بأن الله تعالى قال :
{ ...وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا } [ سورة : الإسراء 34] .وقوله تعالى :{ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } [ سورة : المؤمنون 8 ] .
ـ للأسف الشديد ـ لم يراعي الآمان والثقة التي كان خاله أعطاه إياها ، بل لم يكن رده للجميل إلاّ بالنكران الكبير ، وتقديم النعرة الجاهلية ، على رد الدين وحسن الصنيع والوفاء بالعهد والمواثيق .
الحصنة حينما سألوا ذالك العبد : لماذا حينما أمرك عمك عواض أن ترميه بالبندق لم تفعل ؟
أجاب :
والله لقد شعرت أن الأرض من تحت قدمي تتزلزل ، ويداي لم تستطع حمل البندق ، عوضاً على الرمي بها ، من مخافة الرجل ، لأنه عظيم الجثة ، كثير الدين ، مطيل الصلاة ، ومكثر الدعاء ، وجهه الأبيض بسماحة خوفني أن أقتله و يصيبني الله في نفسي ، وأنا من قبل أعرفه ورأيت كل هذا منه لجل كذا ما طاوعتني نفسي على قتله .
ـ للأسف الشديد ـ هكذا حينما يكون ظلم المسلم لأخيه المسلم ، يصل الإنسان إلى قسوة القلب وتحجره ، ونسيان كل شيء ، سوى الثأر ونعرة القبيلة ، وصوت الباطل الأجوف يعلو ، واختفاء صوت الحق الطاهر .
كان قتله ـ رحمه الله ـ في منطقه " وادي بسل " ودفن في شعيب يقال له " مدهينه " والآن بعضهم يطلق عليه " شعيب " صالح " نسبةً لموضع قبره وذلك في عام 1299 هـ تقريبا " رحمه الله " وأبيات الشعر التي قيلت حين أخذ الثأر من عواض توضح بجلاء قصة قتله غدرا .
قتل عواض الملحق وأخذ الثأر منه :
حينما قُتل الأمير صالح ـ رحمه الله ـ وصل الخبر للحصنة كالصاعقة ، بل حتى لأمراءٍ من الطفحة مثل أمير السوطة الذي ما أن سمع بالخبر إلاّ وقد أرسل للأمير / عمير أبن الأمير المقتول صالح الحصيني يستطلع صحة الخبر ، فرد عليه أنه فعلا قد قُتل وبالطريقة التي قتل فيها ، يقول مرسول الأمير عمير :
حينما أبلغته بالخبر كان بجوار شبة النار يتقهوى ، وما أن سمع الخبر فجأة إلاّ وقد سكب فنجان القهوة مباشرةً على النار وقال :
يا شينهم مالهم وما لصالح يتعرضونه ، والله لن يتعوض الطفحة بأمير مثله .
أما أمير الوذانين فلم يعلم إلاّ بعد حولْ من مقتله ، وبعد أن أُخذ الثأر من عواض لأنه قد شد ورحل بعد قتل سند وقبل قتل صالح .
قَتلْ الأمير صالح كان عند أمراء الطفحة أو كل من سمع بمقتله حدث عظيم ، و مؤلم كثيرا ، و بالخصوص كبار الحصنة لأسباب كثيرة منها :
1 ـ أنهم قد تنبؤا بأن ما أتى به عواض من قصة هي في حقيقتها أكذوبة ومخادعة ، وما هي سوى حيلة لاستدراج خاله !؟ حينما أيقن أنه من الصعب الوصول له ، والحصنة قد جعلوا عليه طوق شديد من الحماية القوية والحذر الكبيرين ، لذا استغل القرابة التي بينهما ، والمكانة التي يحضى بها عند خاله ، حتى أنه قيل :
حينما رأوا الحصنة إصرار شيخهم للذهاب مع عواض المذكور أشار عليه بعضهم أنه إن كنت مصرا على الذهاب فليكن ، لكن يرافقك أعداد من الرجال ، حتى لو كان هنالك حيلة وأكذوبة يكونوا حائلين بينه وبين كذبه ، لكن الأمير صالح رفض رفضا قاطعا ، وأقسم أنه لن يذهب معه أحد إلى أبنه عواض ـ كما كان يقول عنه ـ إلاّ لوحده ، ولم يوافق على مرافقة منيف له إلاّ لأنه لوحده ، كما أن منيف هذا له مكانة كبيرة عند الأمير صالح لأنه شاب صغير ويتوسم فيه الهدوء والحكمة ، وكان يصرح بحبه وإعجابه له ، كما أن منيف عرض عليه أن مرافقته للأمير هي مجرد لخدمته لكبر سنه .
وهذا ما زاد في حنقهم وغضبهم أنهم توقعهم الذي أصابه سلفاً .
2 ـ جرأة ابن الأخت عواض على قتله ليس لأنه خاله وحسب ، لكن لأنه مربيه منذ كان طفلا وحتى أصبح رجلاً وفارسا يشار له بالبنان .
3 ـ عدم علاقة الأمير / صالح بن عمير بالموضوع جملة وتفصيلا ، لذا من الظلم أن يكون هو كبش فداء لتلك الأخطاء التي وقع فيها الطرفين .
4 ـ ما عُرف عن الأمير / صالح بتغنيه الدائم بابن أخته على حساب شباب الحصنة لكن ـ للأسف الشديد ـ كان قتله على يد من أحبه بالأمس فهاهو اليوم قاتله وصدقت المقولة :
ومن الحب ما قتل .
الوضع عند الحصنة لم يطيل ، بل عاد الوضع مستقراً ، دونما أن يكون هنالك شيء من الربكة والحيرة ، لأن ما خفف الأمر هو اختيارهم السريع لأميرهم الجديد وهو / عمير بن صالح بن عمير الحصيني ، وكان الرجل في العقد الرابع من عمره ، لأن والده حين قتله كان طاعن في السن ، والابن تعلم ونضج ولهذا كانت عملية اختياره غير معقدة وأتت سريعا لا سيما وهو الرجل الذي تربى في كنف أسرة كلها مشيخة منذ القدم وعاد الاستقرار سريعا .
ظل مناقشة كيفية عملية الرد على عواض الملحق وغدره ، فمن الحصنة من قال :
لا ، بل نجمع أمراء الطفحة ويجب التفاهم بضرورة الاقتصاص منه ، لكن بمشورة الطفحة .
البعض الآخر قال :
لا ، لا يمكن أن يتم هنالك موافقة من قبل بعض الأطراف ، لذا ربما تشتغل الفتنة وتبلغ أناس أكثر .
أستقر رأيهم على ضرورة أخذ الثأر من رجلٍ غادر لخالهِ ، لكن بواسطة الحصنة دونما يتدخل أطراف أخرى ، لذا تم اختيار :
عدد ( 8 ) من الرجال وكان عقيدهم رجل من قرابة الأمير أسمه مبارك وهو من خيرة فرسان الحصنة شجاعة وفروسية وخبرة ، وكان من ضمن المختارين الفارس صالح الحصيني المشهور بـ ( أبو عيون ) ، أيضا كان معهم الفارس والشاعر المشهور / عوض بن محمد الحصيني والملقب بـ ـ قرنفيل ـ وقرنفيل عبارة عن : ( قرن ) و ( فيل ) ، أطلق الاسم عليهم من قبل حاضرة مكة المكرمة والطائف ، لأنهم أسرة معروفة بقوة الرأس وصلابته وشدته ، وحينما كان الواحد منهم يصارع الرجال ، كان يصارعه برأسه فيصرع خصمه ، لا يؤلمه وحسب ، بل ربما يعطبه ، واللقب أطلق أصلا على والد هذا الشاعر الفارس المشهور ، وظل ملازماً لشاعرنا وأخيه الفارس عبدالله ، ولازال حتى يومنا هذا في أحفادهم مشهورين به .
كما أن الشاعر عوض هذا وأخيه عبدالله قُتلا في المعارك الحربية ، الأول في معركة تربة العظمى وهو بجوار الشريف يقاتل معه ، لأنه كان من شعراؤه المشاهير ، أما أخيه الفارس عبدالله فقتل في معركة الهدأ .
وقد ذكر هذا اللقب الأستاذ / تركي القداح في كتابة ( أحديات وألقاب .. ) وكان عوض هذا من أصغر الرجال حينها ، لكنه أكبر من منيف المذكور الذي ظل لإلحاحه الشديد على ضرورة مرافقتهم جعل القوم يوافقون ، بالرغم أنه كان أصغر الرجال سناً ، قيل كان عمره لم يتجاوز السابعة عشر ، وهو من روى قصتهم لرجال من الحصنة منهم جدي الذي توفى عام 1396 هـ بعد عمر يقارب 97 عاما عاشها ، .. قد كان حب منيف المذكور وتأثره بمقتل الأمير صالح جعل القوم يرافقهم ، لا سيما وأنه كان أخر رجل قابله وبقي معه ثم غادر كما أسلفنا ، كل ذلك جعله مُصراً على مرافقة الرجال .
بالطبع الحصنة انتظروا قدوم عواص الملحق لقرية الصَّناع أو وادي صلا ، لكنه لم يأتي لهما إطلاقا ، بل أتت الأخبار أنه كان في غاية الحذر الشديد ، ودوما هو قريب من الجعدة ، وكانوا مجموعة من الرجال يرقبونه باستمرار وأتت العيون بأنه سوف يتناول الغداء عند الجعدة ، ثم سوف يغادر من عندهم لمكان كذا وكذا ، فأختار الحصنة منطقة في طريقه يقال لها : " عميقة " و هي من ديار قبيلة الزّود النفيعية ، لذا تنبه الحصنة أنه من الضرورة أن تكون المواجهة بالسلاح الأبيض فقط ، لأن استخدام الذخيرة الحية ـ البندق ـ سوف يثير أصحاب الأرض ، ومن في تلك النواحي للقدوم على إثر صوت تلك البنادق هذا سبب ، والسبب الآخر لأن قتل الأمير صالح كان بالجنبية ، لهذا صادف هذا الأمر كثير من القبول لدى الرجال بل استحسنوه جداً ، زد على ذلك ان الحصنة والحلسة مهما كان فهم جميعاً طفحة ، ولا يرغبون دخول طرف من خارجهم بينهم ، و كانت الأخبار تأتي على أن مرافقي عواض الملحق دوماً هم عدد ( 4 ) من الرجال فقط ، لذا كان اختيار الحصنة لعدد ( 8 ) بناءً على هذه المعلومات .
كمنوا الحصنة في " عميقة " وما أن ظهر لهم عواض ورفاقه إلاّ والحصنة في وجهه !
تقابل الطرفان ، وكان الحصنة تركيزهم واستماتتهم على عواض الملحق ويتسابقون على قتله ، والحق يقال :
أنه رجلٌ شجاع بلا شك ، كيف لا ؟ وخاله الأمير صالح بن عمير الحصيني ، وربى في بيت كله شجاعة وفروسية ، كذلك عمه الأمير سند بن عمر الحليس وهو أيضا من رجال الشجاعة والفروسية ، لهذا أتى الرجل كله شجاعة وفروسية من الجهتين في النسب .
حينما رآه مبارك صاح في الرجال وقال غطوا ظهري ، وقال :
يا عواض وين أنت رايح ؟
والله ما تروح وأنت ذابح خالك يا البواق !!
وتواجها الرجلين وبعد معاركة بين الرجلين كانت هنالك ضربة من مبارك قد أصابت عواض لكنها لم تكن قاتله ، بل أعاقته وهبطت كثير من شجاعته ، لأن الضربة أتت ساحبة في كف اليد اليمنى لعواض ، مما جعله يقاتل بيساره التي ليست كيمينه ، وقيل سُمع وهو يقول :
غطوني يالربع كف يدي راح عني ، تكفون غطوني أبي أزبن للذول ، نبي نردها للبندق .
يقول مبارك :
حينما ضربته وكان سريع الحركة إذ راغ من ضربة وجهتها له في وجه فأتت في كفه ، وخشيت أن يكون خلفي أحد منهم حينما سمعت الصوت يعلو خلفي ، لكن حينما استدرت وإذ بصالح أبوعيون قد تكالب عليه ثلاثة من الحلسة في طرف الضلع مما اضطررت أن أترك عواض حينما تأكدت انه أصيب ، لا سيما وأن قومه قد قربوا منه .
لكن حينما وصلت صالح وانقشع كثرة الرجال عنه إذ هو قد سقط على الأرض ملطخ بدمائه وقد رأيت أعضاء بطنه تخرج منه و والله أن الرجل جاثم يقاتل على ركبتيه ، وهم يقاتلونه ثلاثة منهم مجتمعين ، لكنه ـ رحمه الله ـ وهو يسقط على الأرض رمى بالجنبية التي كانت بيده على أحد الثلاثة بالذات الذي كان بقربه وحريص على قتله بإصرار ، ولم تقع تلك الجنبية إلاّ في جبينه وبين عينيه ، مما خفف العبء عني أن أقاتل أثنين منهم بدل ثلاثة ، لكنهما لم يكونا بقوة عواض الملحق أو بقوة الثالث الذي سقط منهم ، حيث عواض يمتاز بسرعة الحركة وقوة المبادرة والحرفنة في استخدام الجنبية .
منيف حينما رأى القوم يحاولون إسعاف عواض يقول :
تقدمت نحوهم وقد سبقني الشاعر عوض بن محمد قرنفيل وهو يرتجز أبيات من الشعر لا أحفظها لكن أظن منها :
هل الصناع ، مثل السباع ... الخ ،
وبينما نحن وهم نتبارز بالجنابي مرة لنا ومرة لهم ، إلاّ وقد أسعفنا الفارس مبارك ورجح كفتنا مما جعلني اتجه نحو عواض الملحق الذي لحقته ضربة أخرى من الشاعر عوض قرنفيل يبدو أنها عميقة ومؤثرة في شاكلة ، مما جعلته يرتمي في الأرض وبينما هو يحتضر قال لي :
خذ وأنا خالك السلب حقي لا يجي من الرجال من يسبقك عليه !
يقول منيف :
الحقيقة أن لصغر سني وقلة خبرتي في القتال بالجنابي ، لذا صدّقته وذهبت لأخذ سلبه كما كنت أعتقد ، لكن ما أن قربت منه وهو ملقى على الأرض إلاّ وقد حاول ضربي بالجنبية التي معه في رأسي لكن لحسن حظي أني لم أصله بعد ، كما أن لسحبي بثيابي من الخلف الأثر الكبير ، وكانت السحبة من الفارس مبارك بكل قوة ، الذي قال لي :
يا خبل الرجاّل تصدقه ! ترى الرجل لازال بعد حي !!
أصابني رأس جنبية عواض في شفتي إلاّ والدم قد خرج مني وابتعدت قليل ، والفارس مبارك قد تقدم له وكانت معه جنبيتين بيديه الاثنتين ، يبدو أن واحدة له والأخرى لمن قتله منهم ، المهم أن مبارك قام على الفور ورمى عواض بين عينية وتأكدنا أنه قد مات وأخذ مبارك سلبه وأعطاني إياه ، وهو يقول :
بغيت يالخبل ترّوح بعمرك لجل سلب الخاين ، وبقي معي ذلك السلب أتباهى به أمام الرجال ، كل من لقته قلت له :
هذه جنبية عواض الملحق يوم ذبحناه .
يقول منيف :
كان الفارس مبارك من الذين من الصعب أن يخطئوا في الرمي سواء في البندق أو في استخدام الجنبية أو في الشلفا أو أي سلاح يستخدمه ، إذ كان محترف وصاحب خبرة في القتال بمعارك مثل هذه ، بعكسي تمام والذي تنقصني كل تلك الفنون ، حتى أني كدت أقتل نفسي بنفسي حينما صدّقت عواض و ذهبت نحوه وهو لا يزال حي ، صحيح انه مصاب لكن واجب عليّ أن أقتله وأتأكد أنه قُتل تمام ثم أخذ ما أريد ، بعكس مبارك الذي كان يستدير بكل خفة وسرعة ، ما أن تراه أمامك الآن إلاّ وبعد لحظات تراه بموقع أخر وسريع الرمي بالجنابي ولا يصيب إلاّ لحم ، وكان حينما يقتل واحد يأخذ سلاحه ويقاتل باليدين لا بيد واحدة وبنفس القوة ، ويبدو أن الشيخ عمير محقاً حينما جعله عقيد القوم لعرفه فيه وفي شجاعته .
يقول منيف :
انتهت المواجهة وحينما حصرنا قتلانا وإذ هم ( 5 ) أشهرهم الفارس صالح أبو عيون ـ رحمه الله ـ ، و الحلسة كانوا ( 7 ) لم يبقى منهم أحد ، جمعنا نحن الثلاثة المتبقين السلاح الذي كان مع الرجال القتلى منّا ومنهم وعدنا وفي الحال أخلينا المكان ، لكي لا يأتي أحد ، سواء من أهل الأرض الزّود أو من غيرهم ، فربما يكون هنالك مواجهة جديدة نحن في غنى عنها طالما حققنا هدفنا ، وبهذه المناسبة قال الشاعر المشهور / عوض بن محمد قرنفيل هذه الأبيات وهو يتمنى لو أن الأمير صالح بن عمير الحصيني ـ رحمه الله ـ موجوداً ويشاهد أرض المعركة ويرى شجاعة قومه حينما أخذوا بثأره من عواض الملحق ، فقال :
اتعذر من وجيـه الرفاقـهمار ذبحه في لحانـا لـزوم
ما قعدنا في عميقه عشاقهمار حدتنـا عليـه العـزوم
الحليسي يوم ربـي اعاقـهشربت دميه طيـورِ تحـوم
أخذ خاله في سد وجه وباقهما لذبح خاله عنـده لـزوم
ليت صالح باديا ً ثم شاقـهفعل ربعه يوم ضرب السهوم
والأبيات طويلة ، لكن هذا الذي أحفظه منها ، وأتصور أنها واضحة ومفسرة للموقف ولا داعي لشرحها لأن بها من الوضوح ما يغني عن القول والتوضيح .
حينما عاد الرجال من الحصنة لقريتهم كان القوم جميعهم جلَّ اهتمامهم هل قُتل عواض ، وتم التأكد من قتله ؟
لأن الكبد عليه منفطرة و الحنق عليه كثير ، ومن فعله كبير ، وترحم الحضور على من مات وأقيم عشاء للفرسان العائدين .
بعدها انتهت المواجهة بين الحصنة والحلسة ، لاسيما وأن القتل قد كان في الطرفين بدون داعي له بالأصل ، لكن هذا هو حال الدنيا ، وهكذا يكون الجهل حينما يعم بدارٍ أو بقومٍ لاشك أنه يفنيهم ولا يسعدهم ، ويبعدهم ولا يقربهم ....
..... الخ في الحلقة القادمة نكمل ما تبقى من اتمام القصة وعلى الرابط ادناه كامل البحث
رابط البحث في منتديات شبابة
http://www.shababah.com/vb/showthread.php?t=746